العدالة الانتقالية في العراق: وهم أم واقع؟

العدالة الانتقالية في العراق: وهم أم واقع؟ بقلم حسين زين العابدين | باحث مستقل — حقوق الأقليات العراقية | husseinmonitor.com شهد العراق 23 عفوًا بين عامي 1975 و2016. وشهد عشرات الملاحقات القضائية…

حسين زين العابدين · 22 يناير 2024
العدالة الانتقالية في العراق: وهم أم واقع؟

بقلم حسين زين العابدين | باحث مستقل — حقوق الأقليات العراقية | husseinmonitor.com


شهد العراق 23 عفوًا بين عامي 1975 و2016. وشهد عشرات الملاحقات القضائية، ولجانًا متعددة لتقصي الحقيقة، ومحكمة خاصة لمحاكمة صدام حسين، وقانونًا للناجيات الإيزيديات، وسنوات من تحقيقات فريق التحقيق الأممي «يونيتاد». وتلقى مئات التوصيات الأممية بشأن المساءلة وإصلاح أوضاع حقوق الإنسان. وقَبِل معظمها.

ومع ذلك، بالنسبة إلى الناجين من أسوأ الفظائع في العراق — الإبادة الجماعية للإيزيديين، والمجازر بحق التركمان، وتهجير المسيحيين، واضطهاد الشبك والمندائيين — لا تزال العدالة، إلى حد كبير، نظرية. ليست وشيكة. وليست متأخرة. بل نظرية.

السؤال الجدير بالطرح في عام 2024 ليس ما إذا كان العراق يمتلك آليات للعدالة الانتقالية. فهو يمتلكها بالفعل. السؤال هو ما إذا كانت تلك الآليات قد أفضت إلى شيء يمكن للناجين أن يعدّوه عدالة.


الفجوة بين القانون والواقع

المركز الدولي للعدالة الانتقالية، الذي يعمل في العراق منذ عام 2003، صريح في تقييمه: عانت مبادرات العدالة الانتقالية في العراق من ضعف التخطيط والتنفيذ، والتشكيك في شرعيتها، وغياب التشاور مع الجمهور.

هذه صياغة دبلوماسية للقول إن منظومة العدالة الانتقالية في العراق أُنشئت لأغراض سياسية بقدر ما أُنشئت لأغراض إنسانية — وحين تغيرت الأغراض السياسية، تعثر التنفيذ.

وتُعد عملية اجتثاث البعث التي أعقبت غزو عام 2003 أوضح مثال مبكر على ذلك. فقد صُممت لإبعاد أعضاء حزب البعث عن مواقع السلطة، لكنها تحولت إلى أداة للتطهير الطائفي — فأقصت المهنيين السنّة من الجيش والخدمة المدنية على نحو جماعي، وخلقت شريحة من الرجال الذين جُرّدوا من وظائفهم ومكانتهم، وشكلوا لاحقًا قاعدة لتجنيد عناصر داعش. وبدلًا من أن تحقق آليةٌ صُممت للمساءلة غايتَها، هيأت الظروف لارتكاب الفظائع التالية.


قانون الناجيات الإيزيديات: تقدم بحدود

يمثل قانون الناجيات الإيزيديات لعام 2021 أبرز إنجاز في مجال العدالة الانتقالية لأقليات العراق في مرحلة ما بعد داعش. فقد أقرّ بوقوع إبادة جماعية. ووفر إطارًا قانونيًا للتعويض وجبر الضرر. واعترف بالجرائم المحددة التي ارتُكبت بحق النساء والفتيات الإيزيديات والتركمانيات والمسيحيات والشبكيات.

وبعد عام من إقراره، لم يكن الضحايا قد لمسوا أثره بعد. فقد أصدرت الحكومة اللوائح التنفيذية، لكن ظل هناك احتياج إلى التزام كبير لضمان فعالية إجراءات العدالة والانتصاف وجبر الضرر والمساءلة وإمكانية الوصول إليها.

وبعد مرور ثلاث سنوات، ظل التقدم جزئيًا ومتفاوتًا. فقد تلقى بعض الناجين تعويضات، ولم يتلقها كثيرون. واستُبعد الأطفال المولودون نتيجة الاغتصاب على يد عناصر داعش من القانون تمامًا. وحظي الناجون التركمان باعتراف أقل من الناجين الإيزيديين، رغم تماثل الجرائم التي تعرضوا لها. أما السؤال الأوسع بشأن المساءلة — من ارتكب هذه الجرائم تحديدًا، وهل يواجه تبعات أفعاله — فلا يزال بلا إجابة إلى حد كبير.


يونيتاد: أدلة بلا ملاحقة قضائية

عمل فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (يونيتاد) في العراق من عام 2018 إلى عام 2024، وجمع أدلة على جرائم داعش لاستخدامها في الملاحقات القضائية حول العالم. وكان عمله مهمًا: فقد نُقّب في 68 موقعًا لمقابر جماعية، ووُثقت على نطاق واسع جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لكن يونيتاد كان هيئة تحقيق، لا جهة ادعاء. جمع الأدلة، ولم يباشر الملاحقات القضائية. وحين رفضت الحكومة العراقية تجديد ولايته في عام 2024، بقيت الأدلة التي جمعها في عهدة العراق — ضمن نظام قضائي انتقده المجتمع الدولي مرارًا بسبب الإخلال بضمانات الإجراءات القانونية الواجبة والمحاكمات الجماعية التي تعطي الأولوية لسرعة البتّ في القضايا على حساب إثبات الحقيقة.

ومع رحيل يونيتاد، لم تعد هناك آلية دولية مستقلة تراقب ما يحدث لتلك الأدلة، أو للملاحقات القضائية المبنية عليها.


الإفلات البنيوي من العقاب

إخفاقات العدالة الانتقالية في العراق ليست، في المقام الأول، إخفاقات قانونية. إنها إخفاقات في الإرادة السياسية ضمن نظام يقوم على الإفلات من العقاب.

ارتكبت جماعات مسلحة مرتبطة بالدولة — قوات الحشد الشعبي والميليشيات التابعة لها — انتهاكات موثقة لحقوق الإنسان أثناء القتال ضد داعش وبعده. وارتُكبت بعض تلك الانتهاكات بحق مجتمعات الأقليات نفسها التي استهدفها داعش. ولم يواجه المساءلة تقريبًا أيٌّ من مرتكبيها.

في هذه البيئة، تتحول آليات العدالة الانتقالية إلى استعراض بدلًا من أن تكون مسارًا فعليًا — أي إلى وسائل لإظهار أن العراق يتعامل مع المساءلة بجدية أمام المراقبين الدوليين، من دون إنفاذ التبعات التي تقتضيها المساءلة فعلًا.


ما الذي تتطلبه عدالة انتقالية حقيقية؟

  • ملاحقات قضائية تعطي الأولوية لأشد الجرائم خطورة وللجناة الأكثر مسؤولية عنها
  • جبر ضرر يصل فعلًا إلى الناجين — لا قوانين تعويض يعجز معظم المتقدمين عن الاستفادة منها
  • تقصٍّ للحقيقة يُشرك الناجين في تحديد ما حدث
  • إصلاح مؤسسي يعالج إفلات الميليشيات من العقاب وافتقار القضاء إلى الاستقلال
  • ضمانات لعدم التكرار — تغييرات بنيوية تقلل احتمال تكرار الفظائع

الخلاصة

العدالة الانتقالية في العراق ليست وهمًا محضًا ولا واقعًا حقيقيًا. إنها شيء أشد إحباطًا: إطار حقيقي يُنتج نتائج غير كافية، ويصفه المسؤولون عن تنفيذه باستمرار بأنه عمل لا يزال قيد الإنجاز.

بالنسبة إلى الناجين الذين انتظروا عقدًا من الزمن لتحقيق المساءلة — الذين أدلوا بشهاداتهم أمام محققي يونيتاد، وتقدموا بطلبات تعويض بموجب قانون الناجيات الإيزيديات، ودفنوا أفرادًا من أسرهم في قبور بلا شواهد — بات من المستحيل التمسك بالتمييز بين مسار عدالة بطيء وآخر فاشل.

يمتلك العراق القوانين. ويمتلك الأدلة. ويحظى بالدعم الدولي. وما يفتقر إليه باستمرار هو الإرادة السياسية لفرض تبعات على الأشخاص الذين ارتكبوا أبشع الجرائم — حين يكون هؤلاء الأشخاص مرتبطين بالنظام الذي يُفترض أن يتولى ملاحقتهم قضائيًا.

هذه ليست مشكلة تقنية. إنها مشكلة سياسية.


بحوث وتحليلات مستقلة

حسين مونيتور

ينشر حسين مونيتور بحوثًا ميدانية معمقة حول حقوق الأقليات العراقية، والمساءلة في مرحلة ما بعد داعش، والكلفة الإنسانية للإفلات من العقاب. بقلم حسين زين العابدين — مسؤول اتصال سابق في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) وباحث مستقل.