وُلدوا في الأسر: الأطفال الذين خلّفهم داعش والدولة التي ترفض الاعتراف بهم

وُلدوا في الأسر: الأطفال الذين خلّفهم داعش والدولة التي ترفض الاعتراف بهم بقلم حسين زين العابدين | باحث مستقل — حقوق الأقليات العراقية | husseinmonitor.com كانت تبلغ من العمر 24 عامًا، وتعيش في …

حسين زين العابدين · 18 مايو 2023
وُلدوا في الأسر: الأطفال الذين خلّفهم داعش والدولة التي ترفض الاعتراف بهم

بقلم حسين زين العابدين | باحث مستقل — حقوق الأقليات العراقية | husseinmonitor.com


كانت تبلغ من العمر 24 عامًا، وتعيش في مخيم مكتظ للنازحين في شيخان بالعراق، وتتأمل صور طفليها — صبي في السادسة وفتاة في الرابعة. كانت قد مضت أربعة أشهر منذ أن رأتهما آخر مرة. ولكي تعود إلى ديارها، تركتهما خلفها.

هذا هو الخيار المستحيل الذي يفرضه القانون العراقي على النساء الإيزيديات اللواتي نجون من أسر داعش وأنجبن أطفالًا خلاله: العودة إلى مجتمعكن، أو الاحتفاظ بأطفالكن. فالقانون لا يتيح الجمع بين الأمرين.


المأزق القانوني

بموجب قانون البطاقة الوطنية العراقي، يجب تسجيل الطفل المولود لأحد الأبوين المسلمين بوصفه مسلمًا — حتى إن كانت ولادته نتيجة اغتصاب. وبالنسبة إلى النساء الإيزيديات اللواتي استعبدهن مقاتلو داعش جنسيًا، يعني ذلك أن أي طفل وُلد في الأسر يُصنَّف تلقائيًا مسلمًا بموجب القانون العراقي، بصرف النظر عن ديانة الأم أو ظروف ولادة الطفل.

تحدد الديانة الإيزيدية الانتماء إليها بالولادة لأبوين إيزيديين. ولذلك يواجه الأطفال المولودون نتيجة اغتصاب ارتكبه عناصر داعش إقصاءً مزدوجًا: إذ تصنّفهم الدولة قانونيًا مسلمين، بينما يتعذر قبولهم في المجتمع الإيزيدي بموجب الأحكام الدينية. إنهم يعيشون في فجوة بين هويتين، من دون انتماء كامل إلى أي منهما.

وليست العواقب رمزية فحسب. فالأطفال المولودون في الأسر لآباء مجهولين أو مفقودين أو متوفين يواجهون خطرًا كبيرًا بانعدام الجنسية. ومن دون أب مسجّل، لا يمكنهم الحصول بسهولة على شهادات ميلاد. ومن دون شهادات ميلاد، لا يمكنهم الحصول على بطاقات هوية وطنية. ومن دون وثائق هوية، لا يمكنهم الحصول على التعليم أو الرعاية الصحية أو الخدمات الاجتماعية. ولا يمكنهم أن يرثوا ممتلكات. ولا يمكنهم إثبات وجودهم.


ما أغفله قانون الناجيات

في آذار 2021، أقرّ البرلمان العراقي قانون الناجيات الإيزيديات — وهو تشريع اعترف بأن العديد من الجرائم التي ارتكبها داعش بحق النساء والفتيات الإيزيديات والتركمانيات والمسيحيات والشبكيات تشكّل إبادة جماعية. ونصّ القانون على تعويض الناجيات وتأهيلهن ودعم إعادة إدماجهن.

لكنه لم يذكر الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب.

لم يكن هذا الإغفال سهوًا. بل عكس الصعوبة السياسية في معالجة أوضاع فئة من الأطفال يتحدى مجرد وجودها أعرافًا دينية واجتماعية راسخة، سواء في المجتمع الإيزيدي أو في المجتمع العراقي الأوسع. فالقانون الذي كان يُفترض أن يحقق العدالة للناجيات ترك أطفالهن في وضع قانوني معلّق — بلا اعتراف أو حماية أو تعويض.


الخيار الذي لا ينبغي لأي أم أن تواجهه

بالنسبة إلى النساء الإيزيديات اللواتي أُنقذن من مخيم الهول في سوريا — حيث احتُجزت عائلات داعش وأسراه بعد هزيمة التنظيم وفقدانه السيطرة على الأراضي — كانت العودة إلى الديار مشروطة. فلكي يعدن إلى مجتمعهن، كان عليهن ترك أطفالهن خلفهن.

كانت كوفان تعرف ذلك حين أُنقذت. وأوضحت: «لم يكن أمامي خيار سوى ترك طفليّ خلفي». تركت طفلًا في السادسة وطفلة في الرابعة في مخيم يعاني من العنف اليومي والترهيب والاستغلال الجنسي — لأن اصطحابهما إلى الديار كان سيعني تربيتهما في مجتمع لا يستطيع تقبّلهما، وفي نظام قانوني سيمنحهما تصنيفًا لا يعبّر عن هويتهما، وفي بلد لا يملك إطارًا ينظّم وجودهما.

هذه ليست مأساة شخصية. إنها إخفاق في السياسات — نشأ عن تقاطع قوانين تمييزية للهوية الوطنية، وتشريعات غير كافية للعدالة الانتقالية، وغياب الإرادة السياسية لمواجهة كامل الكلفة الإنسانية لما ارتكبه داعش.


أزمة الوثائق لدى جميع أطفال الأقليات

يمثّل الأطفال المولودون في الأسر البُعد الأكثر حدة لأزمة وثائق أوسع نطاقًا تطال أطفال الأقليات في مختلف أنحاء العراق.

فقد كثير من الأطفال الإيزيديين وثائق هويتهم خلال الإبادة الجماعية عام 2014. وربما لم يُسجَّل الأطفال الأصغر سنًا عند الولادة أصلًا. ومن دون وثائق، لا يستطيع الأطفال الالتحاق بالمدرسة. وقد وثّقت منظمة إنقاذ الطفولة أن الأطفال الإيزيديين، بعد مرور ثماني سنوات على مجزرة سنجار، كانوا لا يزالون يعيشون من دون الوثائق المدنية اللازمة للحصول على الخدمات الأساسية — ليس لأن النظام لم ينتبه إلى ذلك، بل لأن معالجة هذا الخلل تتطلب إصلاحات قانونية وسياسية لا تزال متعثرة.

ويواجه الأطفال المولودون في الأسر أكبر العوائق على الإطلاق. إذ يُشترط في العراق إثبات الأبوة لتسجيل الأطفال من قِبل والدين غير متزوجين. وبالنسبة إلى الأطفال الذين كان آباؤهم من مقاتلي داعش — مجهولين أو موتى أو محتجزين — غالبًا ما يستحيل استيفاء هذا الشرط. والنتيجة جيل من الأطفال ينشأ خارج الأنظمة الإدارية التي تحدد المواطنة وإمكانية التمتع بالحقوق.


مستقبلان مستحيلان

حدّد باحثون قانونيون حلّلوا الوضع ما يصفونه بنموذجين إشكاليين يواجهان الأطفال المولودين في أسر داعش. الأول هو انعدام الجنسية — أي عدم امتلاك أي جنسية معترف بها. والثاني هو ما يسمّونه الجنسية العراقية «الموسومة بوصمة خطيرة» — وهي جنسية تربط الطفل بهوية الأب الجاني، وتصنّفه مسلمًا في مجتمع يعرّف ذاته بالنقيض مما مثّله داعش.

لا يمكن قبول أيٍّ من هذين المستقبلين. ولا يقدّم النظام القانوني العراقي حاليًا خيارًا ثالثًا.


ما تتطلبه العدالة

توصل معهد حقوق الإنسان بكلية الحقوق في جامعة جورجتاون، الذي أجرى أبحاثًا حول هذه القضية بين عامي 2022 و2023، إلى خلاصة واضحة: من دون تعديل الأحكام التمييزية في قانون البطاقة الوطنية، سيستمر إقصاء الناجيات من أسر داعش وأطفالهن عن مجتمعاتهم وعن جهود إعادة بناء العراق.

والإصلاحات المحددة المطلوبة واضحة:

  • تعديل المادة 20(2) من قانون البطاقة الوطنية لإلغاء التصنيف التلقائي للأطفال مجهولي الآباء بوصفهم مسلمين
  • الإدراج الصريح للأطفال المولودين نتيجة العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في قانون الناجيات الإيزيديات وأي تشريعات مماثلة
  • تبسيط إجراءات إصدار الوثائق المدنية للأطفال المولودين في الأسر، من دون اشتراط إثبات الأبوة
  • الاعتراف بحق هؤلاء الأطفال في اختيار هويتهم الدينية بأنفسهم عند بلوغ سن الرشد

هذه ليست مطالب جذرية. إنها الحد الأدنى اللازم لمنح هؤلاء الأطفال مستقبلًا لا تحدده ظروف ولادتهم بالكامل.


الخاتمة

لم يختر الأطفال المولودون في أسر داعش ظروف ولادتهم. ولم يختاروا آباءهم. ولم يختاروا الحرب التي أفضت إلى ولادتهم. ولم يختاروا نظامًا قانونيًا قرر، تلقائيًا، إلحاقهم بهوية الرجال الذين انتهكوا أمهاتهم.

أحرز مسار العدالة الانتقالية في العراق تقدمًا — تقدمًا منقوصًا وبطيئًا ومقيّدًا بالتسويات السياسية — في معالجة الجرائم المرتكبة بحق الناجين البالغين. لكنه لم يجد بعد الإرادة السياسية لمعالجة أوضاع الأطفال الذين وُلدوا نتيجة تلك الجرائم.

هؤلاء الأطفال يكبرون الآن. والفرصة المتاحة لمنحهم هوية قانونية، ووجودًا موثقًا، ومستقبلًا لا تحدده أصولهم ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. وكلما طال انتظار العراق، ازداد الظلم رسوخًا.


أبحاث وتحليلات مستقلة

حسين مونيتور

ينشر حسين مونيتور أبحاثًا ميدانية معمّقة حول حقوق الأقليات العراقية، والمساءلة في مرحلة ما بعد داعش، والكلفة الإنسانية للإفلات من العقاب. بقلم حسين زين العابدين — مسؤول ارتباط سابق في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) وباحث مستقل.