تلعفر بعد التحرير: مدينة بلا مستقبل؟
تلعفر بعد التحرير: مدينة بلا مستقبل؟ بقلم حسين زين العابدين | باحث مستقل — حقوق الأقليات العراقية | husseinmonitor.com عندما أعلنت القوات العراقية تحرير تلعفر بالكامل من داعش في أيلول…
بقلم حسين زين العابدين | باحث مستقل — حقوق الأقليات العراقية | husseinmonitor.com
عندما أعلنت القوات العراقية تحرير تلعفر بالكامل من داعش في الأول من أيلول 2017، كانت الاحتفالات حقيقية. فمدينة عانت ثلاث سنوات من الاحتلال — من مجازر وتهجير ودمار — أصبحت أخيراً حرة. ورفرف العلم العراقي مجدداً فوق المدينة التركمانية العريقة في غربي نينوى.
بعد خمس سنوات، لم يعد السؤال ما إذا كانت تلعفر قد تحررت، بل ما إذا كان التحرير قد عنى أي شيء على الإطلاق لمن عاشوا فيها.
ما فعله داعش بتلعفر
سقطت تلعفر بيد داعش في 16 حزيران 2014. وتمزق نسيج سكان المدينة — ومعظمهم من التركمان الشيعة والسنة، وكان عددهم يتراوح بين نحو 200 ألف و225 ألف نسمة — بين عشية وضحاها تقريباً. فرّ معظمهم. وبقي بعض التركمان السنة، وتورط عدد منهم في جرائم الحرب التي ارتكبها داعش — وهو جرح لا يزال ينخر العلاقات بين المكونات حتى اليوم.
تعرض المجتمع التركماني الشيعي لوحشية خاصة. فقد اختُطفت نساء وفتيات، ويُقدَّر أن 450 منهن احتُجزن في إطار الاستعباد الجنسي — وهي جريمة لم تحظَ إلا بجزء ضئيل من الاهتمام الدولي الذي حظيت به قضية الإيزيديين، رغم تشابه الفظائع. ونُفذت إعدامات جماعية. ونُهبت المنازل ودُمّرت. وتحول مركز المدينة التاريخي، الذي يعود إلى قرون مضت، إلى ركام في أحياء ستستغرق إعادة إعمارها أجيالاً.
تحرير بلا عودة
بعد التحرير، رحّب الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق بالنصر العسكري، ودعا إلى "تسريع جهود تحقيق الاستقرار لتمكين المدنيين الذين فروا من القتال من العودة طوعاً وبأمان إلى ديارهم".
كانت الكلمات في محلها. أما التنفيذ فلم يكن كذلك.
لم تكن عودة سكان تلعفر بعد عام 2017 أمراً تلقائياً. فقد اتسمت إعادة الإعمار بالبطء وضعف التمويل والتعقيد السياسي. وكان ما يصل إلى 80 ألفاً من التركمان السنة قد فروا إلى خارج البلاد — كثيرون منهم إلى تركيا — وتشابكت مسألة عودتهم مع مخاوف بشأن الأمن والمساءلة ووجود قوات الحشد الشعبي ذات الغالبية الشيعية في المنطقة.
وخلص بحث أُجري بتكليف من معهد الولايات المتحدة للسلام إلى أن التركمان السنة والشيعة اتفقوا على أمر واحد: الأمن الدائم يتطلب توازناً في القوى بين المكونين، مع إشراك السنة في القطاع الأمني. وحذّر من أُجريت معهم المقابلات من أن عودة الميليشيات الشيعية بعد التحرير ستقوّض فرص المصالحة بدلاً من دعمها.
وقد جرى تجاهل هذا التحذير إلى حد بعيد.
فجوة التعويضات
لدى العراق قوانين — القانون رقم 20 لسنة 2009، والقانون رقم 57 لسنة 2015، وقانون الناجيات الإيزيديات لسنة 2021 — تنص نظرياً على تعويض ضحايا النزاع. وفي تلعفر، كان 37% من سكان القضاء قد تقدموا بطلبات للحصول على تعويضات. ولم يُفد سوى 1% بأنهم تلقوها فعلاً.
هذه الفجوة بين تقديم الطلبات وصرف التعويضات ليست مصادفة بيروقراطية. إنها تعكس نظاماً سياسياً يعترف بالضحايا قانوناً، لكنه يخذلهم عملياً. فالتعويض ليس مجرد مساعدة مالية — بل هو رمز لاعتراف الحكومة بوقوع جريمة وبأن الدولة تتحمل مسؤولية جبر الضرر. وحين لا يحصل 99% من المتقدمين بطلبات على شيء، فإن هذا الرمز يوصل رسالة معاكسة.
خط الصدع السني الشيعي
لعل أكثر أبعاد واقع تلعفر بعد التحرير حساسيةً وأقلها تناولاً هو الانقسام الطائفي داخل المجتمع التركماني نفسه.
ألحق سقوط تلعفر بيد داعش أضراراً جسيمة بالعلاقات المتوترة أصلاً بين التركمان السنة والشيعة. فقد انضم بعض التركمان السنة إلى داعش، وتُوجَّه إليهم اتهامات بارتكاب جرائم حرب بحق جيرانهم الشيعة. وشاركت قوات الحشد الشعبي ذات الغالبية الشيعية في عملية التحرير. وقد تركت هاتان الحقيقتان ندوباً عميقة.
جرت جهود للمصالحة — أبرزها مفاوضات شملت ممثلات عن النساء تصدّين لمحاولات إقصاء أصواتهن. وأسفرت هذه الجهود عن اتفاقات. لكن الاتفاقات على الورق لم تترجم إلى أمن على الأرض أو عدالة للضحايا.
حتى عام 2022، ظلت الانقسامات بين المكونات التي استغلها داعش قائمة. وفي غياب مساءلة حقيقية — لمرتكبي جرائم داعش ولأي انتهاكات ارتُكبت أثناء التحرير — فمن غير المرجح أن تلتئم هذه الجروح من تلقاء نفسها.
المفقودات الـ450
لا يمكن لأي سرد لواقع تلعفر بعد التحرير أن يتجاهل النساء اللواتي لم يعدن.
يُقدَّر أن داعش اختطف 450 امرأة تركمانية شيعية من تلعفر والمناطق المحيطة بها. ولا تزال أكثر من 400 منهن في عداد المفقودات. وعلى خلاف قضية الإيزيديين — حيث أفضى الاهتمام الدولي والمناصرة المنظمة وقانون الناجيات الإيزيديات إلى استجابة مؤسسية جزئية على الأقل — لا تزال المختطفات التركمانيات شبه غائبات عن الخطاب الدولي.
لا يوجد إحصاء رسمي لعدد النساء التركمانيات الشيعيات اللواتي اختُطفن. ولا يوجد للضحايا التركمان ما يعادل قانون الناجيات الإيزيديات. وثمة عائلات في تلعفر أمضت ثماني سنوات لا تعرف ما إذا كانت بناتها وأخواتها وأمهاتها على قيد الحياة — من دون أي مؤسسة تبحث عنهن فعلياً.
لم يُعِد التحرير هؤلاء النساء إلى ديارهن. وقد مضى العالم إلى حد بعيد وكأن الأمر أصبح من الماضي.
الخلاصة
كان تحرير تلعفر من داعش ضرورياً وحقيقياً. لكن التحرير ليس إعادة إعمار. وليس عدالة. وليس عودة المفقودين. وليس مصالحة بين مكونات دفعتها ثلاث سنوات من الوحشية الممنهجة إلى مواجهة بعضها بعضاً.
بعد خمس سنوات من رفع العلم العراقي فوق مركز المدينة، باتت تلعفر مكاناً تُرى فيه الأعلام، لكن لا يُرى فيه المستقبل. مكاناً توجد فيه قوانين للتعويض، لكن التعويضات لا تصل. ويُعترف فيه بالجروح بين المكونات، لكنها لا تلتئم. ولا تزال فيه نساء مفقودات، ولا أحد يبحث عنهن.
تستحق المدينة المحررة أكثر من إعلان نصر. إنها تستحق اهتماماً متواصلاً وموارد ومساءلة تمنح التحرير معنى لدى الذين عايشوا ما سبقه.
بحوث وتحليلات مستقلة
حسين مونيتور
ينشر حسين مونيتور بحوثاً ميدانية معمّقة حول حقوق الأقليات العراقية، والمساءلة في مرحلة ما بعد داعش، والكلفة الإنسانية للإفلات من العقاب. بقلم حسين زين العابدين — ضابط ارتباط سابق في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) وباحث مستقل.
