الدينار والثقة والسلطة: هل تنذر ضغوط الدولار بتحول سياسي في العراق؟
تستدعي ضغوط سعر الصرف في العراق ذاكرة انهيار الدينار خلال التسعينيات، لكن اختلاف بنية الاقتصاد والسلطة يجعل المقارنة بحاجة إلى تدقيق. الخطر السياسي لا يكمن في ارتفاع الدولار وحده، بل في تحوّله إلى حلقة ضمن أزمة معيشة وعدالة وثقة بالمؤسسات.
حين يصبح سعر الدولار سؤالاً عن شرعية الحكم
في العراق، لا يُقرأ سعر الدولار بوصفه مؤشراً مالياً فقط. فهو يدخل في حسابات الغذاء والدواء والسكن والتجارة، ويستحضر ذاكرة مرحلة تآكلت خلالها المدخرات والرواتب وقدرة الدولة على الوفاء بوعودها. لذلك يبدو مشروعاً التساؤل عمّا إذا كانت ضغوط سعر الصرف الراهنة تشير إلى أزمة اقتصادية قابلة للاحتواء، أم إلى مسار أعمق من فقدان الثقة قد يعيد تشكيل الطبقة السياسية.
لكن الإجابة تستلزم الفصل بين ثلاثة أمور: انخفاض قيمة العملة، وتراجع القدرة الشرائية، واحتمال التغيير السياسي. هذه الظواهر قد تتفاعل، لكنها ليست مترادفة. ارتفاع الدولار لا يُسقط سلطة بذاته؛ وقد يصبح عاملاً سياسياً مؤثراً عندما يكشف عجز المؤسسات، ويوزع الخسائر بصورة غير عادلة، ويغلق أمام الناس أفق التحسن.
ماذا حدث للدينار في عهد صدام؟
ارتبط الانهيار الكبير للدينار، خصوصاً خلال التسعينيات، بتراكم آثار الحروب والعقوبات الدولية وتضرر البنية الإنتاجية وتقييد الإيرادات الخارجية. ومع ضعف الموارد واللجوء إلى التمويل النقدي، تراجعت قيمة العملة وارتفعت الأسعار، فيما فقدت الأجور الحكومية جانباً واسعاً من قدرتها على تأمين المعيشة.
لم تكن الأزمة نقدية فقط، بل أزمة دولة ومجتمع. لجأت أسر إلى بيع ممتلكاتها أو البحث عن أعمال إضافية، وتدهورت الخدمات واتسعت الفوارق بين أصحاب الدخول الثابتة ومن استطاعوا الوصول إلى العملات الأجنبية أو شبكات التجارة والنفوذ. كما لم تكن التجربة النقدية موحدة تماماً بين المناطق العراقية، وهو ما يجعل التعميم التاريخي بحاجة إلى حذر.
ومع ذلك، لا يصح القول إن انهيار الدينار أسقط نظام صدام حسين. فقد استمر النظام سنوات بعد الصدمة الاقتصادية، مستنداً إلى أدوات القمع والسيطرة وتوزيع الموارد على دوائر الولاء. وانتهى حكمه بالغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، لا بانهيار نقدي تحوّل تلقائياً إلى انتقال سياسي. الدرس هنا أن إفقار المجتمع قد يضعف شرعية السلطة من دون أن يزيل قدرتها على البقاء.
لماذا تختلف الأزمة الحالية؟
العراق اليوم ليس اقتصاداً خاضعاً للظروف نفسها التي عرفها في التسعينيات. فهو يصدر النفط، ويتلقى إيرادات بالدولار، ويمتلك احتياطيات أجنبية ومؤسسات نقدية وروابط مصرفية وتجارية دولية. تمنحه هذه العناصر أدوات لامتصاص الصدمات، وإن كانت لا تلغي هشاشته الناتجة عن الاعتماد الكبير على النفط والاستيراد والإنفاق العام.
كذلك تختلف بنية السلطة. فبدلاً من مركز حكم فردي، توجد منظومة متعددة الأحزاب ومراكز النفوذ، تشمل مؤسسات منتخبة وشبكات محاصصة ومصالح اقتصادية وقوى مسلحة. يتيح هذا التعدد إمكانات للتفاوض والتعديل، لكنه قد يشتت المسؤولية أيضاً: تستطيع أطراف مشاركة في الحكم تقديم نفسها باعتبارها معارضة لنتائجه.
لهذا، لا تكفي المقارنة البصرية بين سعر دولار مرتفع قديماً وسعر مرتفع اليوم. السؤال الأدق هو: ما مصدر الضغط، وما قدرة الدولة على إدارته، ومن يدفع كلفته؟ كما ينبغي تجنب وصف كل موجة ارتفاع بأنها بداية انهيار شامل، من دون النظر إلى مدتها وحجمها وأثرها في الأسعار والإنتاج والاحتياطيات.
الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية
من المفاتيح الأساسية لفهم الحالة العراقية التمييز بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية. فقد تتسع الفجوة بينهما حتى من دون تغيير رسمي في قيمة الدينار، عندما يتعذر على جزء من الطلب التجاري أو المالي الوصول إلى القنوات المصرفية المعتمدة.
وتؤثر متطلبات الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتدقيق التحويلات الخارجية في طريقة حصول المصارف والتجار على الدولار. وهي متطلبات ضرورية لحماية النظام المالي، لكن تطبيقها يحتاج إلى قدرة مؤسسية ومسارات عملية للتجارة المشروعة. وعندما تكون الإجراءات معقدة أو غير واضحة، قد تنتقل معاملات إلى السوق الموازية. كذلك يمكن للطلب غير النظامي وتهريب العملات والمضاربة أن يزيد الضغط، من دون أن تكون تفسيراً وحيداً لكل ارتفاع.
ولا تنتقل تقلبات الدولار إلى السلع بالمقدار نفسه أو بالسرعة نفسها. فقد يسعّر بعض التجار وفق تكلفة الاستيراد الفعلية، بينما يعتمد آخرون تكلفة الاستبدال المتوقعة أو هامشاً للتحوط. لذلك تحتاج الرقابة إلى بيانات عن سلاسل التوريد والمنافسة، لا إلى اتهامات عامة أو إجراءات عقابية تحجب أسباب الخلل.
من يتحمل تراجع القوة الشرائية؟
يقع العبء الأشد عادة على أصحاب الدخول الثابتة والعاملين غير المنتظمين والأسر التي تخصص معظم إنفاقها للضروريات. وقد تستطيع فئات تمتلك أصولاً أو دخلاً بالدولار حماية جزء من ثروتها، بينما تتآكل مدخرات من لا يملكون أدوات تحوط. هنا تتحول مسألة نقدية إلى سؤال عن العدالة في توزيع الخسائر.
وتواجه الأسر النازحة والعائدة إلى مناطق متضررة من النزاع ضغوطاً إضافية، خصوصاً عندما تقترن الأسعار المرتفعة بضعف فرص العمل أو فقدان الوثائق أو صعوبة الوصول إلى الخدمات. وفي مجتمعات إيزيدية ومسيحية وتركمانية متضررة من العنف والتهجير، قد يؤخر الغلاء ترميم المنازل واستعادة الأعمال. ولا ينبع ذلك من الهوية وحدها، بل من تراكم الحرمان وضعف الحماية والتفاوت الجغرافي.
متى تتحول الضغوط الاقتصادية إلى تغيير سياسي؟
يصبح سعر الصرف أكثر خطورة سياسياً عندما يندمج مع البطالة وتعثر الخدمات والفساد والشعور بأن المؤسسات تحمي المتنفذين أكثر مما تحمي المواطنين. وقد أظهرت احتجاجات تشرين عام 2019 أن الاعتراض في العراق يمكن أن يتجاوز المطالب الخدمية إلى مساءلة قواعد الحكم والتمثيل والمحاسبة.
لكن الغضب لا يحدد النتيجة وحده. فالتغيير يتوقف أيضاً على وجود تنظيمات وبدائل موثوقة، ومساحة آمنة للاحتجاج، ومؤسسات انتخابية وقضائية قادرة على أداء دورها، وانقسامات داخل النخب. وفي غياب هذه الشروط، قد تفضي الأزمة إلى تعديل حكومي محدود أو إعادة توزيع النفوذ أو مزيد من القمع، بدلاً من تحول ديمقراطي.
لذلك ينبغي مراقبة مجموعة مؤشرات معاً: استمرار الفجوة بين سعري الصرف، وتآكل الأجور الحقيقية، وقدرة المالية العامة على الوفاء بالتزاماتها، واتجاهات الفقر والعمل، وثقة المواطنين بالمصارف والمؤسسات. والأهم هو ما إذا كانت السلطات تعترف بالمشكلة وتتيح مساءلة مستقلة عن أسبابها وكلفتها.
الثقة تُبنى بالسياسة لا بالشعارات
يتطلب احتواء الأزمة تسهيل التمويل النظامي للتجارة المشروعة، ونشر معلومات نقدية مفهومة، ومكافحة التهريب والفساد وفق القانون، وحماية الفئات الأضعف من صدمات الأسعار. وعلى المدى الأبعد، لا يمكن فصل استقرار الدينار عن تنويع الإنتاج وتقليل الاعتماد على النفط وإصلاح الإنفاق العام.
ليس العراق محكوماً بتكرار التسعينيات، ولا توجد علاقة حتمية بين ارتفاع الدولار ونهاية الطبقة الحاكمة. لكن استبعاد المقارنة تماماً يفوّت إنذارها الأهم: حين تتحول خسارة الدخل إلى قناعة بأن الدولة عاجزة أو منحازة، تصبح أزمة العملة أزمة شرعية. وما يحدد المسار ليس السعر وحده، بل قدرة المؤسسات على تصحيح الخلل بعدالة، وإقناع المجتمع بأن الإصلاح ممكن من دون صدمة جديدة.